عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي

69

سر الفصاحة

فأما قول زهير بن أبي سلمى في قصيدته المختارة : وأقسمت جهدا بالمنازل من منىّ * وما سحقت فيه المقادم والقمل « 1 » فإن القمل من الألفاظ التي تجري هذا المجرى . وقول أبي تمام « 2 » : قد قلت لمّا لجّ في صدّه * اعطف على عبدك يا قابري غاية في السخافة ، لأن - قابري - من ألفاظ عوام النساء وأشباههن . وليس لأحد أن يتخيل أن العذر في إيراد هذه الألفاظ وأمثالها تعذّر ما يقع موقعها في النظم ، كما يظن ذلك بعض المتخلفين في هذه الصناعة ؛ وذلك أنه ليس يجب على الإنسان أن يكون شاعرا ولا كاتبا ولا صاحب كلام يؤثر ولفظ يروى ، ولا يجب عليه - لو وجب هذا - أن ينظم تلك القصيدة التي وردت فيها هذه اللفظة ولا البيت من القصيدة ، فكيف نعذره إذا أورد لفظة قبيحة جارية مجرى ما ذكرناه ، وهو قادر على حذف البيت كله وإطراح ذكر جميعه ؛ إن لم يكن قادرا على تبديل كلمة منه . ونعود إلى ذكر الألفاظ العامية ، ونقول من الأمثلة قول أبي نصر بن نباتة « 3 » : فقد رفعت أبصارها كلّ بلدة * من الشوق حتى أوجعتها الأخادع فإن - أوجعتها - من أشد الألفاظ العامة ابتذالا ، وإن كانت - الأخادع - قبيحة ، ومنها قول أبي تمام : ليزدك وجدا بالسماحة ما ترى * من كيمياء المجد تغن وتغنم « 4 »

--> ( 1 ) المقادم : مقادم الرأس ، والقمل : استعارة للشعر الذي يكون فيه . « ديوان زهير » ص 83 . ( 2 ) « ديوان أبي تمام » 4 / 206 . ( 3 ) « ديوان نصر بن نباتة » 1 / 218 . ( 4 ) « ديوان أبي تمام » 3 / 254 من قصيدة في مدح ابن الهيثم . كيمياء كل شيء : جوهره .